ندوة: معالم التفسير عند الإمام الخميني.. القرآن بين الهداية والعرفان وبناء الإنسان
أقام مرفأ الكلمة للحوار والتأصيل الإسلامي ندوة قرآنية بعنوان «معالم التفسير عند الإمام الخميني (قدس سره)»، قدّمها سماحة الشيخ هاشم أبو خمسين،
حيث تناول فيها علاقة الإمام الخميني (قدس سره) بالقرآن الكريم، وبيّن أبرز ملامح منهجه التفسيري، وأبعاده العرفانية والتربوية، وموقع الإنسان والهداية والتوحيد في رؤيته لفهم كتاب الله.
وسعت الندوة إلى التعريف بالتصور الذي ينطلق منه الإمام قدس سره في فهم القرآن،
مع التوقف عند أبرز آثاره التفسيرية، وبيان الفرق بين التعامل مع القرآن بوصفه نصًا لغويًا، والنظر إليه بوصفه كتاب هداية ونور وتربية وبناء للإنسان.
الإمام الخميني والقرآن.. علاقة أنس دائم
استهل الشيخ أبو خمسين حديثه ببيان عمق العلاقة التي ربطت الإمام روح الله الخميني (قدس سره) بالقرآن الكريم،
موضحًا أنها لم تكن علاقة دراسة عابرة، بل كانت علاقة أنس دائم بكتاب الله.
وأشار إلى أن الإمام كان يقرأ القرآن خمس مرات في اليوم، ويختمه ثلاث مرات في الشهر
كما أن التلاوة عنده لم تقف عند حدود القراءة اللفظية، بل تحولت إلى مسار عرفاني متدرج، يبدأ بلذة ختم القرآن، ثم لذة السورة، فالآية، فالكلمة، وصولًا إلى الحرف.
ما هو القرآن في رؤية الإمام الخميني؟
ثم تناول المحاضر تعريف القرآن عند الإمام قدس سره، موضحًا أن التعريف الشائع له بوصفه ألفاظًا منزلة بين الدفتين لا يستوعب جميع أبعاده.
فالقرآن، كما يعرّف نفسه، هدى ونور وشفاء ورحمة وفرقان. ومن هنا، فإن فهم حقيقته يفتح آفاقًا أوسع في التفسير، ولا يحصر التعامل معه في التحليل اللغوي أو البحث التاريخي.
وفي الرؤية العرفانية، بيّن الشيخ أبو خمسين أن القرآن يرتبط بحقائق نورانية نزلت على قلب النبي (ص)،
بينما تعبّر الألفاظ والكلمات الموجودة في المصحف عن تلك الحقائق.
المنهج التفسيري عند الإمام الخميني
وأوضح المحاضر أن التراث التفسيري المباشر للإمام (قدس سره) محدود نسبيًا،
ومن أبرز ما جُمع منه تفسير سورة الحمد، من خلال كتابيه سر الصلاة والآداب المعنوية للصلاة، إلى جانب دروسه وخطاباته.
كما أشار إلى وجود تفسير موسع جُمع من آثار الإمام في خمسة أجزاء، واستند إلى خطاباته واستشهاداته القرآنية. غير أن هذا العمل لا يمثل تفسيرًا ألّفه الإمام بصورة مباشرة.
وبيّن أن اختلاف النظرة إلى حقيقة القرآن يترك أثرًا واضحًا في المنهج التفسيري؛ فحين ينظر المفسر إلى القرآن بوصفه ألفاظًا، يبرز التحليل اللغوي أكثر. أما حين يراه نورًا وهداية، فإنه ينفتح على أبعاد معرفية وروحية أوسع.
العرفان والشريعة في تفسير القرآن
وأشار الشيخ أبو خمسين إلى أن الطابع العرفاني يمثل أبرز سمات التفسير عند الإمام الخميني. ولذلك يحتاج القارئ إلى معرفة بالمصطلحات العرفانية والفلسفية لفهم كثير من مباحثه.
ومع ذلك، لا ينفصل هذا البعد العرفاني عن ظاهر الشريعة. فالإمام يجمع بين الظاهر والباطن، ويحافظ على حجية الظاهر، ولا يلغي أصول الفقه والشريعة في سبيل القراءة العرفانية.
القرآن كتاب هداية وبناء للإنسان
وأكد المحاضر أن التفسير عند الإمام الخميني لا يستهدف زيادة المعلومات فحسب، بل يسعى إلى بناء الإنسان وتصحيح مساره.
ومن هنا، يحتل الإنسان موقعًا محوريًا في مشروعه التفسيري؛ لأن القرآن نزل لهداية الإنسان وتربيته، وليس لمجرد البحث في الإعراب أو التاريخ أو أسباب النزول.
كما شدد الإمام على أن القرآن كتاب هداية وتنمية، ولذلك لا تكفي التربية الدينية التي تزيد المحفوظات، إذا لم تنعكس على السلوك والعمل.
التوحيد والتدبر.. محوران أساسيان
وتوقف الشيخ أبو خمسين عند مركزية التوحيد في رؤية الإمام الخميني، موضحًا أن حركته العلمية والعملية تدور حول معرفة الله تعالى. ومن كلمة التوحيد تنطلق فكرة توحيد الكلمة وبناء المجتمع على أساس التوحيد.
كذلك يحتل التدبر مكانة أساسية في هذا المنهج. وقد أشار الإمام إلى أن المسلمين أولوا التفسير وعلوم القرآن اهتمامًا واسعًا، بينما لم يحظَ التدبر بالمستوى نفسه من العناية.
من تفسير الرحمن والرحيم إلى سورة الحمد
وفي سياق بيان التطبيقات العرفانية، تناول المحاضر قراءة الإمام الخميني لاسمَي الرحمن الرحيم، موضحًا أنها تتجاوز المعنى اللغوي إلى رؤية عرفانية أعمق؛ فالرحمانية ترتبط بإفاضة الوجود، بينما ترتبط الرحيمية بتربية الموجودات بحسب استعداداتها.
كما بيّن أن سورة الحمد تمثل في رؤية الإمام طريقًا لعروج السالك، يستطيع من خلالها أن يطوي مراحل السير من البداية إلى النهاية.
وتناول كذلك مفهوم العبودية عند الإمام، موضحًا أن حقيقة العبودية ترتبط بالربوبية؛ فكلما تحقق الإنسان بالعبودية لله تعالى، ارتقى إلى مقام التأثير بإذن الله.
التفسير بين الإمام الخميني والإمام الخامنئي
وفي ختام الندوة، أشار الشيخ أبو خمسين إلى وجود اختلاف في طبيعة الاتجاه التفسيري بين الإمام الخميني (قدس سره) والإمام الخامنئي (قدس سره).
فالتفسير عند الإمام الخميني يتميز بعمقه العرفاني والفلسفي، بينما يتسم الاتجاه التفسيري عند الإمام الخامنئي باتساعه الاجتماعي والحركي، وتنوعه في معالجة قضايا الأمة والواقع.
أبرز ما تناولته الندوة
- علاقة الإمام الخميني (قدس سره) بالقرآن الكريم.
- مفهوم القرآن في الرؤية العرفانية للإمام.
- أبرز ملامح منهجه التفسيري.
- العلاقة بين ظاهر الشريعة وباطنها.
- مركزية الإنسان في التفسير.
- التوحيد بوصفه محورًا في فهم القرآن.
- أهمية التدبر في الخطاب القرآني.
- الأبعاد العرفانية في تفسير سورة الحمد.
- مفهوم العبودية ومراحل السلوك إلى الله.
- مقارنة بين الاتجاه التفسيري عند الإمام الخميني والإمام الخامنئي.
خاتمة الندوة
واختتم سماحة الشيخ هاشم أبو خمسين الندوة بالتأكيد على أن رؤية الإمام الخميني (قدس سره) للقرآن تتجاوز التعامل معه بوصفه نصًا للمعرفة المجردة، لتقدمه كتابًا للهداية والتربية وبناء الإنسان.
كما أبرزت الندوة أن المنهج التفسيري عند الإمام يجمع بين المعرفة القرآنية والبعد العرفاني والتربوي، مع المحافظة على أصول الشريعة وحجية الظاهر، بما يجعل القرآن محورًا في مسيرة الإنسان نحو التكامل ومعرفة الله تعالى.



