العالم الإسلاميفعاليات المرفأمقالات

تأثير العلاقات الاجتماعية على استقامة السّلوك – في ضوء القرآن الكريم

الدكتور الشيخ خالد الغفوري

بسم الله الرحمن الرحيم

 عبر جولة تأمّلية خاطفة نطلّ فيها على قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ( [1] )، نستوحي منه ما يضيء لنا مدى تأثير العلاقات الاجتماعية بشكل عام على السلوك الخاص لأفراد المجتمع، وحيث إنّ هذه الآية الكريمة واضحة في تعابيرها وبيّنة في مفرداتها وتراكيبها اللفظية فلا حاجة لشرحها من الناحية اللغوية والبنيوية، وإنّما الجدير بالبحث هو محاولة استنطاق هذا النص الشريف وأشباهه من أجل الحصول على رؤية محدّدة حول حجم ونوع الانعكاسات التي تتركها العلاقات الاجتماعية العامة على شكل وطبيعة السلوك الفردي .

وإذا أردنا فهرسة المحطات التأملية التي تناولها هذا النص الشريف نجدها كما يلي:

المحطة الأولى: إنّ الموضوع الملحوظ هو نموذج مجتمعي خاص ذو هوية خاصة؛

إذ أنّ النموذج المفترض في هذا النص هو المجتمع المؤمن الذي يحيى تحت ظلّ غطاء أيدلوجي يمتاز بالاعتقاد بالله وبالقيم الإلهية .

والهدف من بيان هذا الأمر هو أنّ الهوية العامة للمجتمع لها دور مصيري في تحديد طبيعة العلاقات وبالتالي الإفرازات التي تترشح عنها، ومن هنا فلو استبدلنا هذه الفرضية بفرضية أخرى، نظير ما لو كانت هوية النموذج المجتمعي الملحوظ هوية الكفر أو هوية علمانية فسوف تتغير موضوع القضية وسننتهي إلى نتائج من سنخ آخر تختلف عمّا لو كانت الصبغة العامة للمجتمع صبغة إلهية، لاحظ قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) ( [2] )؛ ونظراً لأهمية الهوية العامة تجد الدول تنصّ على ذلك في دساتيرها بشكل صريح في أول مادة من موادها .  

المحطة الثانية: بيان مكوّنات وعناصر ذلك النموذج، حيث إنّ مكوّنات ذلك المجتمع هي:  المؤمنون والمؤمنات.

وليس المراد عدم التعدّدية في مكوّنات ذلك المجتمع كي يقال عدم واقعية هذه الفرضية؛ بسبب استحالتها أو ندرتها،

بل إنّ هذه الحيثيةــ وهي التعدّدية أو عدمهاــ غير دخيلة وغير ملحوظة،

واللحاظ متمركز فقط على التيار الجماهيري المؤمن المتحرّك ضمن الهوية الإيمانية للمجتمع المتحمّس لها أوالمتلبّس بها سواء شاركهم الآخر أو لا .

وأيضاً نكرّر ما قلناه بأننا لو بدلنا اللحاظ وركّزنا على تيار اجتماعي آخرــ حتى لو فرضناه يتحرك ضمن الهوية الإيمانية الطاغية على المجتمع ــ فسوف يتبدل الموضوع قهراً وتبعاً لذلك ستتفاوت المسألة وتختلف نتائجها، لاحظ قوله تعالى: وقوله تعالى: (ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ) ( [3] )؛ فمن الواضح أنّ التيار المنظور متفاوت عن الأول، فإنّه التيار غير المتحمس أو غير المتلبس بالهوية الإيمانية العامة للمجتمع .

المحطة الثالثة: صفة وسنخ العلاقة الحاكمة بين أفراده، وننبه على أمرين:

1 ــ إن هذا النص لا يتابع جميع العلاقات التي تربط بين أفراد المجتمع بعرضها العريض وبمختلف صورها وبشتى مجالاتها،

بل هو ناظر الى نحو خاص منها، ألا وهي العلاقة الرسالية الاصولية .

2 ــ إن هذا النص نصنفه من نمط الخطابات الإنشائية والتشريعية، لا الخطابات الإخبارية والوصفية كما قد يُتوهم من نحو هذه الخطابات،

فهو لا يتحدث عما هو كائن، ولا يحكي لنا صورة مجتمع موجود بهذه المواصفات يعيش على أرض الواقع،

بل هو يرسم لنا صورة مجتمعية إيمانية افتراضية ينبغي أن تكون، وعلينا أن نحققها عملياً.

وعليه فيتضح أنّ تحقيق ذلك النمط من العلاقة لا يكاد يتم بعفوية أو تحت ضغط الحاجة كالعلاقات الاقتصادية،

بل إنها علاقة واعية وهادفة وموجهة، فمتى ما ارتفع الحسّ الرسالي ومتي ما تسارع مستوى النبض الاُصولي داخل التيار المؤمن فسوف يتمظهر ذلك فيكون الحالة الإيمانية والاُصولية التي تتحكّم بمسار سائر العلاقات الاُخرى؛

إذ لا نرى ملازمة في الواقع الخارجي بين الهوية الإيمانية العامة للمجتمع وبين التيار المؤمن فيه وبين الحالة الإيمانية والعلاقة الرسالية التي تحكمها.

وهذا المستوى الرفيع من العلاقة هو المعبّر عنه بالولاية، والذي يمثّل قمة الوعي العلائقي، بل هي علاقة تمتاز بعدة امتيازات، منها :

1 ــ إنها علاقة ذات طرفين، وليس بالضرورة أن يكونا شخصين، فربما يكونا جماعة،

كما أن هذين الطرفين مرنان ومتحركان وليسا ثابتين ولا ساكنين، فربما يتبادلان الأدوار والمواقع في تجسيد الحالة؛

فإن الآمر بالمعروف قد يمر عليه ظرف يكون فيه مأموراً به، وكذا الناهي عن المنكر في حين قد يكون منهياً عنه في حين آخر.

2 ــ إنها علاقة متكافئة من ناحية الصلاحيات، فليست هي علاقة بين العالي والداني، فهي ليست من سنخ الولاية على القاصرين،

بل إنها علاقة بين المواطن وأخيه اللذين يتمتعان كلاهما بنسبة واحدة من الحقوق والواجبات والسمة الاجتماعية.

3 ــ إنها علاقة واعية مبتنية على الإرادة الإجمالية من المجتمع بعامة،

فكما ينطلق الطرف الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من منطلق الشعور بالمسؤولية وضرورة الإصلاح الاجتماعي والحرص على سلامة الحركة الاجتماعية

كذلك الحال بالنسبة الى الطرف المأمور بالمعروف والمنهي عن المنكر لا بد أن ينطلق من منطلق الاتعاظ والاستجابة للحق،

فهو كالمصاب الذي يبحث عن مداويه ويمكنه من معالجته ويستمع لتعليماته وتوجيهاته، فلو كان موقفه سلبياً لما أمكن تحقيق المعادلة حينئذ.

المحطة الرابعة: انعكاسات تلك العلاقات على السلوك الفردي، وليس المراد بهذه النقطة هو التأثيرات العفوية لكونها من الامور الواضحة والمسلّمة.

فإن المحيط الاجتماعي العام له بالغ الأثر على السلوك الفردي قهراً، وإنما المراد التأثير المقصود والمستهدف والمبرمج،

فإن استمرار حالة التواصي بالحق وديمومة وضع الخطط والبرامج التصحيحية وتواصل الاطروحات الإصلاحية يشكل ضمانات عملية لسلامة السلوك الفردي،

سيما وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهما مساحات واسعة من ناحية طبيعة المجالات ومن ناحية سعة وضيق الممارسة وما يتطلب ذلك من وسائل متاحة وأساليب مناسبة،

فإن الأمر والنهي في المجال السياسي يختلف عنهما في المجال الاقتصادي، وفرق بين الممارسة الفردية المحدودة والممارسة الجماعية الممتدة،

هذا وغيره مما يضاعف في حجم المسؤولية ويبارك في حجم النتائج في الوقت نفسه،

وحينها سنرى مدى التأثيرات الكبيرة لهذه البرامج على صياغة الفرد المسلم صياغة من الدرجة الراقية.

المحطة الأخيرة: ضرورة تشخيص الوظائف العلائقية الإيمانية الحقيقية وضرورة تحقيقها،

وعلينا أن لا نخلط بين الأوراق ونميّز بين أنماط الوظائف العلائقية،

فإن العلاقة الإيمانية الولائية المطلوبة شرعاً هي ليست علاقة شكلية وسهلة المؤونة وفي حدود الممارسات الموضعية تتجسد بإفشاء السلام ومصافحة الإخوان وبشاشة الوجه وانفتاح الأسارير.

وبحسب تصوري أن ما استوحيناه كان محطات تأملية من هذا النص القرآني الشريف ليملي علينا ضرورة المراجعة لبناتنا العلائقية ودراستها من جديد، والله الموفق لكل خير.


(  [1]  ) التوبة : 71 .

(  [2]  ) الأنفال : 73 .

(  [3]  ) التوبة : 67 .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى