ندوة: لطائف قرآنية في آيات الحرب والقتال
أقام مرفأ الكلمة للحوار والتأصيل الإسلامي ندوة فكرية بعنوان «لطائف قرآنية في آيات الحرب والقتال»، قدّمها سماحة السيد عبد السلام زين العابدين، وتناول فيها دلالات الآيات القرآنية المرتبطة بالجهاد والقتال، وأبرز السنن الإلهية التي تحكم التدافع بين الناس.
وسلّطت الندوة الضوء على المفاهيم القرآنية للتدافع، وحكمة التشريع الإلهي للقتال، والاستعداد لتحمل المسؤولية. كما تناولت الدلالات التربوية والبلاغية لبعض الآيات، وعلاقتها ببناء الإنسان وترسيخ القيم الأخلاقية.
التدافع في القرآن أوسع من الحرب والقتال
استهل السيد زين العابدين حديثه ببيان أن سنة الدفع والتدافع في القرآن الكريم لا تقتصر على المواجهة العسكرية،
بل تشمل مجالات متعددة، منها التدافع الثقافي والفكري والعقائدي والاقتصادي والإعلامي. ولذلك، قد يتجاوز أثر التدافع الناعم أثر المواجهة العسكرية، لما يتركه من تأثير عميق في وعي المجتمعات واتجاهاتها.
كما أوضح أن هذه السنة لا تختص بالمواجهة بين المؤمنين والكافرين، بل تجري داخل المجتمع المؤمن أيضًا.
واستشهد برواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) تربط قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ بدور المؤمنين في دفع البلاء عن غيرهم، من خلال الصلاة والزكاة والحج وسائر أعمال الطاعة.
الحكمة من تأخير القتال في المرحلة المكية
ثم تناول المحاضر المراحل التي سبقت تشريع القتال، مبينًا أن القرآن الكريم ركّز في المرحلة المكية على بناء العقيدة وترسيخ الصلاة والزكاة، قبل الإذن بالقتال في المدينة.
ويكشف هذا التدرج عن حكمة تربوية؛ فالإنسان يحتاج إلى إعداد إيماني وعبادي قبل أن يتحمل مسؤولية الجهاد وما يرتبط بها من تضحيات. كذلك، فإن الجهاد قرار كبير لا ينبغي أن تحكمه العاطفة وحدها، بل يحتاج إلى وعي بالعواقب واستعداد لتحمل المسؤولية.
وفي هذا السياق، أشار السيد زين العابدين إلى ثقل فتوى الجهاد الكفائي،
وما يترتب عليها من تضحيات إنسانية واجتماعية، تشمل الشهداء وأسرهم. ومن هنا، تبرز أهمية التربية الإيمانية التي تهيئ الإنسان لمواجهة لحظات التكليف الصعبة.
آيات الجهاد ودلالاتها في الاستعداد والتضحية
وتوقف المحاضر عند قوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، موضحًا أن الآية تفتح باب المسؤولية أمام مختلف فئات المجتمع،
بصرف النظر عن العمر أو الوضع الاجتماعي أو الإمكانات المادية.
كما بيّن أن الخفة والثقل لا يرتبطان دائمًا بصفات ثابتة؛ فقد يكون الغني أقدر على المبادرة من الفقير، وقد يتقدم المتزوج على الأعزب بحسب الإيمان والاستعداد والموقف.
كذلك تناول دلالة تقديم الأموال على الأنفس في عدد من آيات الجهاد، معتبرًا أن هذا الترتيب يحمل بُعدًا تربويًا، إذ يبدأ الإنسان بالبذل المالي ثم يرتقي إلى التضحية بالنفس.
وفي المقابل، تقدّم الأنفس على الأموال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم﴾، لأن الآية تصوّر العلاقة مع الله تعالى في صورة صفقة يبذل فيها المؤمن نفسه وماله في سبيله.
كما أكد أن الإيثار القرآني لا يقتصر على المشاعر والشعارات، بل يتجسد في تقديم ما يحبه الإنسان ويحتاج إليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾.
الدلالات القرآنية في وصف المتخلّفين عن الجهاد
وفي محور آخر، استعرض السيد زين العابدين بعض الدلالات التعبيرية في الآيات القرآنية، ومنها استخدام وصف «المخلَّفين» بدلًا من «المتخلّفين». وبيّن أن هذا التعبير يوحي بأن هؤلاء بقوا خلف ركب الجهاد، ولم يكونوا في موقع من يشارك فيه.
كما أشار إلى أن الفرح بالتخلّف عن الجهاد يكشف عن خلل في الوعي والمسؤولية؛ فالمؤمن الذي يدرك قيمة التكليف يشعر بالحسرة إذا فاته أداء واجبه، بدلًا من أن يفرح بالقعود.
وتناول المحاضر كذلك اختلاف ترتيب كلمتي الموت والقتل في بعض الآيات، موضحًا أن لهذا الترتيب دلالات ترتبط بسياق الآية. فحين يبرز السياق الثواب، يتقدم ذكر القتل، بينما يتقدم ذكر الموت في سياقات أخرى تتناول الحشر والمصير.
الجهاد والموت وسنة الله في حياة الإنسان
وأكد المحاضر أن تجنب الجهاد لا يعني النجاة من الموت، فالأجل يدرك الإنسان أينما كان، كما يقول الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ﴾.
ومن هذا المنطلق، دعا إلى فهم آيات الجهاد ضمن رؤيتها القرآنية المتكاملة، بعيدًا عن القراءات التي تفصل بين التكليف الإلهي وسنن الحياة، أو تجعل الخوف من الموت معيارًا لتحديد الموقف.
كما تناول الندوة مسألة العدوان، مؤكدًا أن المبادرة إلى الحرب ليست من منهج الأنبياء، بل إن الطغاة هم الذين يبدأون العدوان في كثير من المواجهات. وفي هذا السياق، ناقش المحاضر الاعتراض القائل إن المقاومة تستفز العدو، مستحضرًا أمثلة تاريخية على بدء الاعتداء من الطرف الآخر.
الأخلاق في المنظومة الدينية
واختتم المحاضر محاوره بالتأكيد على أهمية الأخلاق في المنظومة الدينية، موضحًا أن الدين لا ينفصل عن القيم الأخلاقية، بل يرسّخها ويحميها من التراجع عندما تغيب الرقابة أو تتغير المصالح.
وبذلك، لا يقتصر فهم آيات الحرب والقتال على الأحكام المرتبطة بالمواجهة، بل يشمل أيضًا الأبعاد التربوية والأخلاقية التي تسهم في بناء الإنسان وتوجيه سلوكه ومواقفه.
أبرز ما تناولته الندوة
- مفهوم التدافع في القرآن الكريم واتساعه لمختلف المجالات.
- الحكمة التربوية من التدرج في تشريع القتال.
- الاستعداد الإيماني لتحمل مسؤولية الجهاد والتضحية.
- الدلالات التربوية في آيات الإنفاق والجهاد والإيثار.
- اللطائف البيانية في وصف المخلّفين وترتيب الموت والقتل.
- العلاقة بين الجهاد وسنة الموت في حياة الإنسان.
- موقف القرآن من العدوان والمسؤولية عن بدء الحرب.
- مكانة الأخلاق في بناء الوعي الديني وترسيخ القيم.
خاتمة الندوة
أكدت الندوة أهمية قراءة آيات الحرب والقتال ضمن سياقها القرآني المتكامل، مع الالتفات إلى دلالاتها اللغوية والتربوية والاجتماعية. كما أبرزت أن فهم هذه الآيات يتطلب إدراك سنن التدافع، وحكمة التشريع، ومسؤولية الإنسان في الموقف والعمل، إلى جانب الالتزام بالقيم الأخلاقية التي تشكل أساسًا في المنظومة الدينية.



